حساسات التفكير الناقد

المؤلف نجيب الحصادي
دار النشر دار الفرجاني
سنة النشر 2023
عدد الصفحات 218
ISBN 9789778679038
300.00EGP
يشاهد هذا الآن 20 شخص
التسليم المتوقع:
11 - 18 أغسطس, 2026
شارة الثقة
تأكيد الدفع آمن ومضمون

Product details

لا يسعى هذا الكتاب فحسب إلى إكساب قرائه حساسة منطقية تمكنهم من تقويم ما يصوغون أو يعرضون من استدلالات، بل يحاول أيضًا إكسابهم حساسة مفهومية تصقل قدرتهم على التمييز بين المفاهيم المتقاربة، وحساسة لغوية تجعلهم قادرين على استشعار مواطن الاختلاف بين الأحكام المتشابهة. وهناك ارتباط بين هذه الحساسات؛ فالحساسة المفهومية خطوة أولى في عملية إرهاف الحساسة اللغوية، لأن اللغة في النهاية جُمل تتألف من ألفاظ تدل على مفاهيم؛ والحساسة اللغوية خطوة أولى في عملية إرهاف الحساسة المنطقية، لأن المنطق في النهاية حجج تتألف من جُمل.

وتسهم دراسة التفكير الناقد في تعزيز مهارات ذهنية ذات استخدامات فعالة وواسعة النطاق، ومثل ذلك أن القدرة العالية على التعبير عن الأفكار بوضوح ودقة، والمهارة في تعريف الألفاظ والمفاهيم، والاقتدار على صياغة الحجج بدقة، وتحليلها بنظرة ناقدة، من ضمن الفوائد التي يجنيها الطالب من دراسته. وعلى المستوى الجمعي، استخدامات التفكير الناقد واضحة أيضًا، خصوصًا في المجتمعات الديمقراطية، حيث يفترض أن يفكر المواطنون لأنفسهم، وأن يتحاوروا حول المشكلات التي يواجهها مجتمعهم بحرية مطلقة، وأن ينتخبوا قادتهم وفق تقويم مُتروٍ ومدقق لما يقترحونه في حملاتهم الانتخابية من برامج وسياسات. وبصرف النظر عن طبيعة النظام السياسي الحاكم، قد يستبين أن المجتمعات تحتاج أكثر من غيرها لإعمال آليات التفكير الناقد، بل لعل فشلها في إعماله من أهم أسباب تخلفها.

والتفكير الناقد نشاط مقلق بسبب البعد الاستبطاني الذي ينطوي عليه؛ ذلك أن معظم الناس يمضون حيواتهم دون محاولة للتأمل في أساليبهم في التفكير، فتراهم يتشبثون بآرائهم، متشبثين بها، ويسفهون مواقف معارضيهم، ويقعون ضحية الأوهام والترهات، دون إدراك أن ضررًا فادحًا يطالهم ويطال مجتمعهم جراء ذلك. والغريب أن أكثرهم حاجة إلى إعمال آليات الفكر والتقصي والنقد هم أقلهم شعورًا بحاجتهم إليها.

ويظهر أن سعي التفكير الناقد لامتحان افتراضات نعتقد فيها أو نصادر على صحتها أو نسلّك بمقتضاها، ومحاولته تقليب الترب التي ترعرعت في كنفها أساليبنا في التفكير، وحرصه على إعادتنا النظر في مواقفنا من الآخرين، تتعارض تمامًا مع ميولنا التلقائية، ونزوعاتنا العفوية وطبائعنا البشرية التي جبلنا عليها، لا أحد منا، تقريبا لا أحد، يرغب في أن تمتحن افتراضاته وعقائده وتصرفاته أكثر مما يجب؛ ولا أحد منا، تقريبًا، لا أحد، يفضل أن تُكشف جذوره في العراء.